الأخبار و التقارير الإعلامية

مدير جمعية أسرة خالد الضالع ثلاثة قرون من المجد .. يوم التأسيس منبع الهوية غوصٌ في عمق الهوية

يوم التأسيس:
إن الحديث عن يوم التأسيس ليس مجرد استحضارٍ لذكرى تاريخية عابرة، بل هو غوصٌ في عمق الهوية، وتأملٌ في عبقرية المكان والزمان. ففي عام 1727م، لم تكن الدرعية مجرد بلدة على ضفاف وادي حنيفة، بل كانت منطلقاً لمشروع حضاري أعاد صياغة تاريخ الجزيرة العربية، ووضع لبنات الاستقرار في إقليمٍ عانى طويلاً من التمزق والشتات.
أولاً: العبقرية السياسية في فكر الإمام المؤسس:
حينما تولى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- مقاليد الحكم في الدرعية، لم يكن طموحه محصوراً في حكم مدينة، بل كان يحمل رؤية "دولة". تجلت هذه العبقرية في قدرته على تحويل المجتمع من نظام "المدن والقبائل المتناحرة" إلى نظام "الدولة المركزية" التي تبسط الأمن وتحمي القوافل وتطبق العدالة. لقد كان التأسيس إعلاناً صريحاً عن ولادة كيان سياسي مستقل، يمتلك مقومات البقاء والسيادة، ويستند إلى إرث عربي أصيل وقيم إسلامية راسخة، مما جعل من الدولة السعودية الأولى نموذجاً فريداً في المنطقة آنذاك.
ثانياً: الدرعية.. عاصمة الفكر ومنارة التغيير:
لم تكن الدرعية عاصمة سياسية فحسب، بل كانت حواضن فكرية وثقافية استقطبت العلماء والمصلحين والباحثين عن الاستقرار. إن اتخاذها مركزاً للدولة كان اختياراً استراتيجياً أدى إلى ازدهار التجارة والتعليم، وشكّل نقطة تحول في الوعي الجمعي لسكان الجزيرة العربية. في يوم التأسيس، نستذكر كيف تحولت هذه البقعة إلى رمز للصمود والتحدي، وكيف استطاعت أن تصدر للعالم نموذجاً في الإدارة والحكم الرشيد القائم على الشورى والتلاحم بين الراعي والرعية.
ثالثاً: ملحمة الصمود.. استمرارية رغم العواصف:
ما يميز الدولة السعودية عبر تاريخها هو قدرتها المذهلة على الانبعاث من جديد. فمنذ الدولة الأولى التي وضعت حجر الأساس، مروراً بالدولة الثانية التي رسخت المبادئ، وصولاً إلى الدولة الثالثة "المملكة العربية السعودية" التي وحدها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه-؛ نجد أن هناك خيطاً ناظماً لا ينقطع، وهو "الإرادة السعودية". هذا الصمود التاريخي يثبت أن الدولة لم تكن طارئة، بل هي نتاج شرعية تاريخية واجتماعية عميقة، جعلت الشعب يلتف حول قيادته في كل الأزمان لصد الأطماع والحفاظ على الوحدة.
رابعاً: البعد الاجتماعي والوحدة الوطنية الكبرى:
إن أعظم إنجازات التأسيس هي "الوحدة الوطنية" التي صهرت الفوارق القبلية والمناطقية في هوية واحدة جامعة. لقد استطاع المشروع السعودي أن يبني إنساناً يعتز بانتمائه لهذا الكيان العظيم قبل أي انتماء آخر. هذه اللحمة الوطنية هي التي شكلت صمام الأمان طوال القرون الثلاثة الماضية، وهي ذاتها التي نراها اليوم تتجلى في أبهى صورها من خلال التفاف الشعب حول قيادته الرشيدة، واعتزازهم بجذورهم الضاربة في أعماق الزمن، مما خلق مجتمعاً متماسكاً يواجه التحديات بروح الجسد الواحد.
خامساً: من فجر التأسيس إلى ضياء الرؤية:
حينما نربط بين عام 1727م وعامنا الحالي، نجد أن الطموح هو ذات الطموح، والروح هي ذات الروح. إن رؤية المملكة 2030 بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، هي الامتداد العصري لروح التأسيس. فكما أراد الإمام المؤسس دولة قوية ومستقرة، تسعى القيادة اليوم لجعل المملكة في مصاف الدول العظمى عالمياً. إن المشاريع الكبرى والتحولات النوعية التي نعيشها هي "تأسيس جديد" لمستقبل مشرق، يرتكز على إرث عظيم وتاريخٍ لا ينسى.
سادساً: مسؤوليتنا في صون الأمانة التاريخية:
إن الاحتفال بيوم التأسيس يضع على عاتقنا جميعاً، مسؤولين ومواطنين، أمانة كبرى؛ وهي نقل هذا الإرث للأجيال القادمة حياً نابضاً. إن الوفاء لرجال ضحوا بأرواحهم لبناء هذا الكيان يتطلب منا العمل بجد وإخلاص، والاعتزاز بهويتنا الثقافية والاجتماعية، والدفاع عن منجزات الوطن. فالتاريخ ليس مجرد قصص تحكى، بل هو دروس تُستلهم لبناء غدٍ أكثر عزة وشموخاً.
ختامًا:
يبقى يوم التأسيس تاجاً على رأس التاريخ السعودي، وشاهداً على رحلة كفاح بدأت بصدق النية وعظيم العمل، لتثمر وطناً عظيماً، نفخر به ويفخر بنا، ونسأل الله أن يحفظ بلادنا ويديم عليها عزها ومجدها تحت ظل قيادتنا الحكيمة.

خالد بن ابراهيم الضالع
مدير عام جمعية أسرة ببريد
مدير جمعية أسرة خالد الضالع ثلاثة قرون من المجد .. يوم التأسيس منبع الهوية غوصٌ في عمق الهوية