الأخبار و التقارير الإعلامية

رئيس مجلس إدارة أسرة د. خالد الحميضي: في يوم التأسيس قصة كفاح وملحمة صمود منذ ذلك اليوم جذورنا راسخة

الجذور الراسخة:
تطل علينا ذكرى "يوم التأسيس" كفصلٍ من فصول المجد الذي لا يغيب، وكإطلالةٍ على فجرٍ انبلج قبل ثلاثة قرون ليغير وجه التاريخ في شبه الجزيرة العربية. إننا حين نستذكر هذا اليوم، لا نقف عند حدود التاريخ كأرقامٍ أو وقائع جافة، بل نستحضر قصة كفاحٍ مريرة، وملحمة صمودٍ أسطورية صاغها الأجداد بمداد من التضحية والإصرار. إنه اليوم الذي عقد فيه الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- العزم في "درعية الأمجاد" عام 1139هـ (1727م) ليرسي دعائم الدولة السعودية الأولى، واضعاً حداً لقرون من التمزق والشتات، ومؤسساً لكيانٍ سياسي وحضاري استمد قوته من باطن هذه الأرض الطيبة ومن عمق هويتها الراسخة.
إن يوم التأسيس:
يمثل في جوهره الإعلان الأول للوحدة الوطنية والسيادة العربية في العصر الحديث. هو اليوم الذي شهد ولادة الإرادة السعودية المستقلة، التي لم تقبل بغير السيادة الكاملة على ترابها. إن هذا اليوم يؤكد للعالم أجمع أن الدولة السعودية لم تكن نبتة طارئة، بل هي دولةٌ “جذورها راسخة” في وجدان التاريخ، استطاعت أن تبعث الأمل في منطقة كانت تعاني من غياب الاستقرار والأمن. لقد كان التأسيس بمثابة “عقد اجتماعي” فريد بين القيادة والشعب، قام على العدل، وحماية الدين، وإرساء القانون، وصون الكرامة، وهو ما جعل هذا البناء يصمد أمام أعتى العواصف السياسية والعسكرية التي واجهته عبر مراحله المختلفة.
عندما نحتفي بهذا اليوم:
فإننا لا نحتفي بالماضي لمجرد الفخر، بل لنستمد منه الطاقة الروحية والوطنية لبناء المستقبل. إننا نجدد العهد أمام الله ثم أمام التاريخ بأن نظل حراساً لهذا الإرث العظيم، غارسين في نفوس أبنائنا وبناتنا أن خلف هذا الرخاء الذي نعيشه اليوم دماءً زكية، وعقولاً حكيمة، وسواعد لم تكلّ. إن الاحتفاء الحقيقي هو في تعميق مفهوم "المواطنة الواعية" التي تدرك أن استقرار الوطن هو الأساس لكل استقرار آخر، وأن "ملحمة الصمود" التي قادها الإمام المؤسس ورجاله هي مدرسة ملهمة لنا في مواجهة تحديات العصر، وفي الحفاظ على تماسكنا الوطني كبنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.
الدرعية.. عاصمة الفكر ومنطلق الدولة:
لا يمكن الحديث عن التأسيس دون الوقوف بإجلال أمام "الدرعية"، تلك البقعة المباركة التي كانت وما تزال رمزاً للصمود والشموخ. فمن بين ردهات حي "طريف" ومن على ضفاف وادي حنيفة، انطلقت الرؤية السياسية التي لملمت شعث القبائل وحولتها إلى أمة. لقد كانت الدرعية مختبراً حقيقياً لبناء الدولة؛ ففيها ازدهر العلم، وفيها استقر الأمن، ومنها انطلقت جيوش التوحيد. إن رمزية الدرعية تكمن في كونها أثبتت أن القوة لا تنبع فقط من العتاد، بل من "الإيمان بالقضية" ومن الحكمة في الإدارة، وهو النهج الذي سار عليه حكام هذه الدولة وصولاً إلى عهدنا الزاهر.
الهوية الوطنية.. أصالة الانتماء وعمق التاريخ:
لقد صهر يوم التأسيس الهوية السعودية في بوتقة واحدة، ممتزجةً بأصالة الصحراء وحكمة القيادة. إن "الجذور الراسخة" التي نتحدث عنها هي التي جعلت المواطن السعودي يعتز بملبسه، ولغته، وعرضه، وتاريخه. إننا نرى في هذا اليوم تجسيداً للهوية التي لم تتغير ولم تتبدل رغم صراعات القوى العالمية من حولنا، بل بقيت محافظة على نقائها الإسلامي والعربي. هذه الهوية هي السد المنيع ضد محاولات التغريب أو التشكيك، وهي التي تمنحنا التميز والخصوصية بين شعوب الأرض، كأمةٍ توازن بين التمسك بالثوابت وبين الانفتاح الواعي على آفاق الحداثة.
ملحمة الصمود وعبقرية القيادة السعودية:
عبر القرون الثلاثة، واجهت الدولة السعودية تحديات ومؤامرات كبرى كانت تهدف لاجتثاثها، ولكن "عبقرية القيادة" وتلاحم الشعب كانا دائماً هما الغلبة. إن قصة الصمود السعودي قصة تُدرس؛ كيف عادت الدولة ثانية وثالثة؟ وكيف استطاعت في كل مرة أن تنهض من وسط الركام لتكون أقوى مما كانت؟ هذا التجدد هو سر العبقرية السعودية التي استلهمها الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- في مرحلة الاسترداد والتوحيد، وهي ذاتها الروح التي يقود بها خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- بلادنا اليوم نحو القمة.
من التأسيس إلى الرؤية.. جسر نحو المجد العالمي:
إن الربط بين "يوم التأسيس" و"رؤية المملكة 2030" ليس ربطاً زمنياً فحسب، بل هو ربطٌ عضوي وجوهري. فالرؤية الطموحة التي نعيشها اليوم هي الثمرة الناضجة لتلك الجذور التي غُرست عام 1727م. إننا اليوم نبني مدن المستقبل، وننافس في الفضاء، ونقود الاقتصاد العالمي، مستندين إلى تلك القاعدة الصلبة التي وضعها الإمام الأول. إن طموحنا اليوم هو الامتداد الطبيعي لكفاح الأجداد، فنحن ننتقل من "تأسيس الكيان" إلى "تأسيس الريادة العالمية"، مؤكدين للعالم أن السعودية العظمى هي نتاج تاريخ عريق، وإرادة لا تنكسر، ورؤية لا تعرف المستحيل.
وهكذا:
يمضي بنا قطار المجد السعودي، متسلحاً بالتاريخ، معتزاً بالحاضر، ومستشرفاً للمستقبل. إن "يوم التأسيس" سيبقى في قلوبنا منارةً لا تنطفئ، وشعلةً تضيء لنا دروب الوفاء لهذا الوطن المعطاء. إننا إذ نحتفي بهذا اليوم، فإننا نرفع أكف الضراعة للمولى عز وجل أن يحفظ بلادنا من كل سوء، وأن يوفق قيادتنا الحكيمة لكل خير، وأن تظل السعودية دائماً شامخة الأركان، عزيزة الجانب، جذورها في الأرض وفروعها تعانق السماء.

د. خالد بن محمد الحميضي
رئيس مجلس إدارة جمعية أسرة ببريدة
رئيس مجلس إدارة أسرة د. خالد الحميضي: في يوم التأسيس قصة كفاح وملحمة صمود منذ ذلك اليوم جذورنا راسخة